بينما كنت أقرأ كتاباً في مجال التخطيط وبيدي كوبٌ من الماء استوقفتني مقولة ظلت ترن في ذهني
رنين الجرس في ناقوس كبير ، جابت بي في عالم التأمل والتفكير ، أشعلت في عقلي حرباً بين (كيف) و (ماذا) و(لماذا) ، حرب كادت أن تسيل بسببها الدماء .
" من أمضى يوماً في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد بناه أو حمد حصّله
أو خير سمعه أو علم اقتبسه فقد عقّ يومه " علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – .
تعلمنا منذ نعومة أظفارنا عن معنى بر الوالدين وما يلحق العاق لهما من عواقب
وخيمة والقصص عن ذلك كثيرة ...
سمعنا عن عقوق الأبناء ... عقوق الأهل والأقارب ... عقوق الجار ... عقوق الحيوانات
... وغيرها من أصناف العقوق .
أما عقوق الأيام ...
هذا أمر لم نعهده من قبل وما سمعنا به في آبائنا الأولين ...
إذ كيف للأيام عقوق وما هي؟
هل لها حقوق أو مشاعر أو أحاسيس أصلاً؟
ولماذا تُعق وكيف ؟ ومِن مَن؟ وهل تشكو مِن مَن يعقها ؟ ولمن ؟
والأهم من هذا وذاك ...
هل عاق الأيام تصيبه عقوبة ، خذلان ، سخط ، مقت أو لعنة ؟
زوبعة من الاستفهامات ، براكين من الأفكار ، تساؤلات تتسابق ، و(كيف)
تتلوها (كيف) ، و(هل) تلحق بأختها ، ، ولغط وصخب وضوضاء ...
... في ظل هذا الضجيج قام العقل فيهم خطيباً فقال
بأعلى صوته :
" ياقووووووم "
فكان لصوته صدى نشر الهدوء بينهم فخيّم الصمت عليهم ، وهدأت نار الحرب قبل أن تبلغ مداها .
فأكمل بنبرة يكسوها الهم والحزن :
إن الأيام لتئن وتشكو من الذين يعقونها والعاقون لها ليسوا بالقليل ،
فيومهم شبيه بأمسهم والغد توأم اليوم لا تختلف الأيام إلا في أسمائها وتواريخها ،
تمر الشهور وقائمة الإنجاز فارغة ، تمضي السنوات ولا جديد أو تغير إلا ما كان من
صدف الحياة ، لا هم ولا هدف ولا غاية ، مَـثلهم كمن ركب قارباً لا يعرف أين وجهته
تأخذه الأمواج يمنة ويسرة ينتظر أن توصله إلى أي مكان وإلا سيظل هكذا لا يكلف نفسه عناء الحركة أو العمل .
لا أتعجب ولا أستغرب من عدم معرفتكم بحال هؤلاء المساكين ، لأن الأيام لا
ترحم من يعقها ، فالعقوبة أشد من أن تكون لعنة أو ما شابه ذلك ، بل أدهى وأمر حيث
سيضاف اسمه إلى قائمة العاديين ، فيولد عادياً ويحيا حياة عادية ويموت ميتة عادية
، لا ذكر يبقى ولا أثر يذكر ، يبكي عليه أهله والمقربون منه برهة من الدهر ثم يصبح
في طي النسيان .
أما الآخر فحياته زاخرة وأيامه مشرقة لا يمر عليه يوم إلا وقد ترك فيه بصمةً ولو كانت صغيرة ، إذا لقيته بعد مدة حسبته شخصاً آخر ، قد يصيبه الفتور فهو من البشر
ولكن يعتبره استراحة محارب ، يحول المحنة إلى منحة ، يتمتع بحياته ويحقق أهدافه
ويصل إلى طموحاته ، قد تراه يعمل بصمت ولكن يحدث في غيابه ضجة ، يعيش من أجل رسالة
ويموت في سبيل تحقيقها .
فهما صنفان :
فالأول يجري الطموح في عروقه ليصل إلى جميع أطرافه فكل جزء من جسده يحثه
على العمل والمضي .
والآخر همّه ملء البطون ونوم العيون ، يترك كل عمل يشم منه رائحة التعب
والجهد ، فالراحة غايته أينما وجدها شمر إليها.
فكن ذا نفس تواقة ، يتجول همك في السماء مصافحاً السحب ومعانقاً الثريـ ـ ـ
آآآآههه آآههه (أصيب بكحة شديدة طلب على إثرها الماء فشرب منه وإذا بالكأس ينزلق
من يده ويسقط فــ ...)
فأفقت من خيالي الذي سرحت فيه وذهب كل شيء ، نظرت فإذا كأسي هو الذي سقط مني في
الحقيقة ، ارتسمت على محياي ابتسامة لطيفة فأمسكت الورقة والقلم لأكتب لكم هذه
السطور ، ثم رجعت إلى صديقي الكتاب لأخطط لذاتي وأصنع حياتي فلا أكون عاقاً لأيامي
القادمة .
دمتم على بر وخير